الشيخ محمد رشيد رضا
302
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يترتب على ذلك فقالوا ( رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ) المنادى للايمان هو الرسول وذكره بوصف المنادى تفخيما لشأن هذا النداء . وذكر استجابتهم بالعطف بالفاء لبيان انهم بعد الذكر والفكر والوصول منهما إلى تلك النتيجة الحميدة لم يتلبثوا بالايمان الذي يدعوهم اليه الأنبياء ، كما تلبث قوم واستكبر آخرون بل بادروا وسارعوا اليه لأنهم إنما يدعونهم إلى ما اهتدوا اليه مع زيادة صالحة تزيدهم معرفة باللّه تعالى وبصيرة في عالم الغيب والحياة الآخرة اللتين دلهم الدليل على ثبوتهما دلالة مجملة مبهمة والأنبياء يزيدونها بما يوحيه اللّه إليهم بيانا وتفصيلا وعلى هذا التفسير يكون المراد بالآيات بيان انه كان في كل أمة أولو ألباب هذا شأنهم مع أنبيائهم . ويصح أن يكون المراد بالمنادى نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة . أقول : والمراد بأولى الألباب الموصوفين بما ذكره على هذا هم السابقون من أصحابه ومن تبعهم في ذلك له حكمهم . وسيأتي عند ذكر الهجرة ما يرجح هذا وقال الأستاذ : وسماع النداء يشمل من سمع منه مباشرة في عصره ومن وصلت اليه دعوته من بعده ويحتمل ان يكون قولهم « فآمنا » مرادا به إيمان جديد غير الايمان الذي استفادوه من التفكر والذكر وهو الايمان التفصيلي الذي أشرنا اليه آنفا . ويحتمل ان يكونوا سمعوا دعوة الرسول أولا وآمنوا به ثم نظروا وذكروا وتفكروا فاهتدوا إلى ما اهتدوا اليه من الدلائل التي تدعم إيمانهم فذكروا النتيجة ؛ ثم اعترفوا بالوسيلة ، ولا ينافي ذلك تأخير هذه عن تلك في العبارة كما هو ظاهر ( رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا ) تفيد الفاء في قوله « فَاغْفِرْ » اتصال هذا الدعاء بما قبله وكون الايمان سببا له ، والمراد بالايمان الاذعان للرسل في النفس والعمل لا دعوى الايمان باللسان مع خلو القلب من الاذعان الباعث على العمل . ولأجل هذا استشعروا الخوف من الهفوات والسيئات فطلبوا المغفرة والتكفير . وقال بعض المفسرين : ان المراد بالذنوب هنا الكبائر وبالسيئات الصغائر قال الأستاذ الامام : وعندي ان الذنوب هي التقصير في عبادة اللّه تعالى وكل معاملة بين العبد وربه ، والسيئات هي التقصير في حقوق العباد ومعاملة الناس بعضهم